دراسة تقدية لقصيدة النثر بين الوحدة العضوية و الثيمة الرامزة ( الجزء الأول)

دراسة تقدية لقصيدة النثر بين الوحدة العضوية و الثيمة الرامزة ( الجزء الأول)
بتاريخ 8 يناير, 2016 - بقلم admin

المحور الصحفي // الشيخ اليزيد

المقدمة:

للقصيدة الحديثة أسلوبية خاصة للربط بين مقاطع القصيدة المتداعية من خلال الثيمة الرامزة و هو موضوع قلما انتبه له الدارس النقدي في العصر الحديث ماذا نعني بالثيمة الرامزة / هي تلك الثيمة التي يبنى عليها النص خلف الثيمة الأم الظاهرة و هو تحتاج اقل ما تحتاج إلى أعمال الفكر للغوص في تلابيب النص إلى ابعد ما يكون وهذا مما يصعب على الشاعر ابتداعه أو الآتيان  به ويصعب على الناقد والمتلقي بلوغه والكشف عنه مما لاشك فيه أن تعدد الثيمات في النص الشعري الحداثي لا يلغي وحدة النص معنويا وان ظهر للمتلقي غير ذلك فالثيمة الرامزة تقوم مقام الوحدة الموضوعية وهذا ما يدعمه مناخ النص الشعري الواحد وان تعددت الرؤى الشعرية لذا ومن هذا المنطلق نرى ان العديد من النصوص الشعرية بحاجة إلى إعادة القراءة وفق هذا المنظور للكشف عن تلك الثيمة الرامزة ولعمري هذا ما سوف يمهد لإعادة النظر فيما قيل بخصوص قصيدة النثر وحقيقة مرجعيتها وتفريز النصوص بين قصيدة النثر الحداثية والنثر المرسل ناهيك عن تفريز الأساليب الشعرية بين أنوثة النص وذكورته بعد أن تمادى الكثير في الولوج لهذا الجنس الأدبي دون أن تتمظهر لديهم حقيقة الاشتراطات الحداثية لهذا الجنس . ان التزاوج بين أدوات الربط اللفظية والمعنوية للنص و الثيمة الرامزة يظهر لنا بما لا يقبل الشك الولادة الشرعية لقصيدة النثر العربية وهويتها الحقيقية فهو تزاوج عضوي للجدال فيه
********************************************************************************
سوف نتناول النص الشعري (( جنوني … والوطن )) للشاعر الجزائري ( الشيخ اليزيد )


جنوني… و الوطن ….
***************
في كثير من الأحيان يتبادر إلى الذهن جملة من أطياف شعرية تندثر و أخرى تحلق برؤى حداثية لكن مما لاشك فيه إن تلك الأطياف التي تنأى عن مشهدنا المعاصر تلقي بظلالها على تلك الرؤى وهذا ما نجده في قصيدة (( جنوني والوطن ))
فقد عمد الشاعر بحذاقة فريدة إلى توظيف تلك الظلال ليحلق النص بجناحي الماضي والحاضر اذ استحدث طريقة بنائية هي من الأهمية بمكان فكما نعرف ان الربط بين مقطع و أخر في النصوص الحداثية عملية شائكة ومستعصية إذ أنها لا تتناسب ورؤى التشظي النصي الحداثي لكن الشاعر هنا تفرد بأسلوب ربط فيه النص بطريقتين
الأولى تداعي الأفكار إذ جاءت أفكاره وفق بناء متداعي أما الطريقة الأخرى فنعني بها ربط الجمل نحويا ومعنويا بطرائق لغوية معروفة للدارس ومنها على سبيل المثال لا الحصر
( أدوات الربط اللفظية ومنها العطف وحروف الجر وغيرها )
عودة إلى الفرادة الأسلوبية للشاعر إن المتوغل في تلابيب هذا النص (( جنوني و الوطن ))
يجد نوعين من الربط
الأول / الروابط اللفظية
الثاني / الروابط المعنوية
فنراه يقول

ذاك الوطن
جرحه… يمزق أحشائي …
دندنة كل ليلة تقرع في الطبل و الطبل يطبل في أذني
فهو هنا استخدم حرف العطف الواو لتوالي الانساق الفكرية والشعرية معا مع التكرار اللفظي وهذا ما أضفى على النص إيقاعا جميلا مع الاحتفاء بإيقاع داخلي استوجبته طريقة البناء النصي الحداثي
ومرة نراه يقول
يمزقني كممزق تمزيقا
و يرمني لمحاكاة النجوم و السهر في العراء
عراء …. يناجي حفاة ‚ عراة
يتمشون فوق الثلج يتغنون للوطن المرسوم فقط فوق الورق
هو هنا أنهى الجزء الأول بمفردة ( العراء ) مع مباغتة المتلقي بربط فريد وهو بداية الجزء الثاني بنفس المفردة وهي ( العراء ) ناهيك عن الربط المعنوي الذي حفل به المقطع
ويعود الشاعر مرة اخرى لنفس الاسلوب وختم المقطع بمفردة الورق وكررها في بداية المقطع التالي وهذا يحسب له لا عليه فيقول

ورق اشتري في سوق عبيد الرومان
اليوم وجد في يد جلادي
ذاك السفاح أصبح صديقي
طامع في ترابي و ما تحتويه أرض
و أنا أبيع أبنائي للجواري
للرقص فوق الجليد
بنار لا دخان لها
مقطع غاية في الروعة انزياح باذخ مهد النص للمتلقي بحفاوة الدهشة في كل عبارة يمر بها المتلقي
يجد الثيمة الأم للنص ( الوطن ) تتكرر بشهقات شعرية مستحدثة هذه الشهقات التي ابتدعها الشاعر والبسها رؤاه هو شاعر بروح هائمة فنراه يعكس ذياك الهيام برشاقة لفظة وجمال معناه
فهاهو يستخدم رابطا من نوع خاص وهو أسلوب الإشارة المجازية مع توالي الواوات في قوله

فذاك الوطن كل صباح
موتى تعود بي إلى هيروشيما
و أقلب و أقلب في دفتري و كراس تاريخي
أعثر على التتار يجرون المغول
وفرس يوقعون معاهدة مع الجنس الآري
و دوفال يلوح بمروحته للداي الحسين

 يعاتبه  على ما فعل  الرجل المريض بدولته

ُزِرعَ الانكشاريون في حمص

و مالي تعفو على فرنسا
في نهاية كل مقطع يتحفنا الشاعر برابط لفظي جديد وهاهو هنا يورد لام التعليل في قوله
لمحو تلك الذكريات
شطحات العساكر
تقتات من جسد عليل
قهره الجوع و الصحراء
و تبكيه الأيام كلما تفكر الوطن
وطن بني فوق رمال زاحفة
في المقطع الأخير يؤكد الشاعر على الاحتفاء بثيمة الوطن تلك الثيمة التي تتوسع لتشمل كل رؤى النص منذ البدء حتى الانتهاء بنهاية مفتوحة تلقي بظلالها سؤالا على ذهنية المتلقي فيقول

وطن بلا شمس

وطن جوه سرب طائرات

 يتامى ترقص فوق الدبابات

بيدها تلوح   لأطفال بغداد

  تنادي براعم حلب

متسائلين

هل هكذا تؤثثون عالمنا

انتظرونا في الجزء الثاني من هذه الدراسة والربط المعنوي والثيمة الرامزة
—————————————————————————————–
الناقد العراقي هاني عقيل
الخميس / 17 / 12 / 2015

جنوني… و الوطن ….

***************

ذاك الوطن

جرحه… يمزق أحشائي …

دندنة كل ليلة تقرع في الطبل و الطبل يطبل في آذاني

يمزقني كممزق تمزيقا

و يرميني لمحاكاة النجوم و السهر في العراء

  عراء ….  يناجي  حفاة ‚ عراة

 يتمشون فوق الثلج يتغنون للوطن المرسوم فقط فوق الورق

ورق اشتري في سوق عبيد الرومان

اليوم وجد في يد جلادي

ذاك السفاح أصبح صديقي

طامع في ترابي و ما تحتويه أرضي

و أنا أبيع أبنائي للجواري

للرقص فوق الجليد

بنار لا دخان لها

فذاك الوطن  كل صباح

موتى تعود بي الى هيروشيما

و أقلب و أقلب في دفتري و كراس تاريخي

أعثر على التتار يجرون المغول

وفرس يوقعون معاهدة مع الجنس الآري

و دوفال يلوح بمروحته للداي الحسين

 يعاتبه  على ما فعل  الرجل المريض بدولته

ُزِرعَ الانكشاريون في حمص

و مالي تعفو على فرنسا

لمحو تلك الذكريات

شطحات  العساكر

تقتات من جسد عليل

قهره الجوع و الصحراء

و تبكيه الأيام كلما تفكر الوطن

وطن بني فوق رمال زاحفة

وطن بلا شمس

وطن جوه سرب طائرات

 يتامى ترقص فوق الدبابات

بيدها تلوح   لأطفال بغداد

  تنادي براعم حلب

متسائلين

هل هكذا تؤثثون عالمنا

الشيخ اليزيد

من ديوان * من نسيم القرى

 

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان جريدة المحور الصحفي تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجريدة وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان جريدة المحور الصحفي الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح الجريدة بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

%d مدونون معجبون بهذه: