هذه مؤشرات لتغيير استراتيجية المملكة في التعاطي مع الصحراء

هذه مؤشرات لتغيير استراتيجية المملكة في التعاطي مع الصحراء
بتاريخ 10 نوفمبر, 2015 - بقلم admin

حملت الزيارة الملكية للصحراء، وإطلاق عدد من المشاريع التنموية في جهات كلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة واد الذهب عددا من المؤشرات على تعامل جديد للمغرب في تعاطيه مع قضية الصحراء، ونهج إستراتيجية جديدة في الدفاع عن وحدته الترابية.

ولعل خطاب الملك محمد السادس من العيون، والذي يعد، بحسب عدد من المتابعين لهذا الملف، أقوى خطاباته في ذكرى المسيرة الخضراء، من أبرز تجليات هذا “التعاطي الجديد”، الذي أضحى يركز على تنمية هذه المناطق، دون انتظار حل النزاع الذي تجاوز عمره الأربعين سنة.

وبالموازاة مع ذلك، جاء حديث وزير الشؤون الخارجية والتعاون، صلاح الدين مزوار، عن رفض المغرب لأي زيارة لكريستوف روس، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، للأقاليم الجنوبية، واقتصار زياراته القادمة فقط على العاصمة الرباط، في الوقت الذي تعوَّد روس على القيام بزيارات متكررة إلى الأقاليم الجنوبية، وإلى العيون على وجه الخصوص.

تنضاف إلى ذلك الخطوة الجديدة غير المسبوقة التي قامت بها مجموعة من الفعاليات في الصحراء، والمتمثلة في التظاهر أمام مقر بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” بالعيون، تنديدا بالموقف الجزائري الداعم لجبهة البوليساريو، حيث كانت الأولى من هذا النوع طوال المدة التي أمضتها البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

إستراتيجية هجومية

وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، خلال لقاء له مع الصحافيين على هامش الزيارة الملكية للعيون، أبرز أن المغرب قد غير إستراتيجيته في التعاطي مع ملف الوحدة الترابية، موضحا أنه سيعمل على تطوير البنيات التحية لهذه الأقاليم، ومضيفا أن الغلاف المالي الذي تم رصده للمشاريع التنموية في المدن الجنوبية سيكون له دور كبير في تغيير معالمها.

وبخصوص قضية زيارة روس للعيون، أكد الخلفي أن تصريح وزير الخارجية ليس بجديد، وقد اتضح ذلك من خلال الزيارات الأخيرة للمبعوث الشخصي لبان كي مون، حيث لم تشمل المدن الصحراوية، وإنما اقتصرت فقط على الرباط، ولقاء مسؤولين هناك.
الوزير أثنى على ما اعتبره “التحول الكبير” الذي عرفته الأقاليم الجنوبية للمملكة بعد أربعين سنة على المسيرة الخضراء، حيث شدد على أن معالمها قد تغيرت بشكل واضح، خاصة على مستوى البنيات التحية، التي شيدها المغرب طوال الأربعين السنة الماضية.

بدوره، اعتبر الخبير في القانون الدولي والشؤون الصحراوية، صبري الحو، أن المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أصبح يحمِّل الجزائر مسؤوليتها في هذا النزاع، خاصة المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه ساكنة مخيمات تيندوف والمعاناة التي تعيشها، محيلا على إشارة الخطاب إلى كون الجزائر وجبهة البوليساريو يستفيدان من هكذا وضع من خلال المتاجرة ماديا بهذه القضية، ومضيفا أن “هذه الاتهامات تستند إلى حجج دامغة وأدلة مصدرها ليس من صنع مغربي، بل مصدرها التقارير الدولية”، بحسب تعبير الحو.

وشدد المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، على أن الجزائر تخرق القانون الدولي، خاصة اتفاقية 1951 المتعلقة باللجوء، والتي تفرض على الجزائر، بصفتها دولة الإقامة، التزامات قانونية؛ منها ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالشغل والسكن، ومنها ما يتعلق بوضعية الفرد كتوفير بطاقة الإقامة وغيرها، مستدلا في دعم هذا الاتهام على ما أورده تقرير “هيومن رايتس ووتش” من أن “الجزائر فوضت للجبهة تدبير المخيمات، وذلك ما يتناقض مع القانون الدولي”.

مؤشرات دالة

وفي قراءته للخطاب الملكي، شدد الخبير في القانون الدولي على أن هذا الخطاب يستمد قوته من خلال الصراحة التي حملها، مشيرا إلى أن تصريح وزير الخارجية المؤكد على أن روس غير مرحب به في الأقاليم الجنوبية، وأن مكان استقباله الطبيعي هو الرباط، بالإضافة إلى احتجاج عدد من الجمعيات أمام مقر بعثة المينورسو، كل ذلك تأكيد على أن المغرب يحس بأن “مركزه جد متقدم في تدبيره لهذا الملف، لذا قرر أن لا يترك نفسه ومصير الجهة رهينا بالغير”.

وزاد المتحدث ذاته أن عنصرا آخر يكتسي أهمية في تدبير هذا الملف، وهو خطاب الملك محمد السادس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي ألقاه الأمير مولاي رشيد، إذ حمل عبارات خطاب العيون نفسها، بالتأكيد، بشكل صريح، على أن المغرب يرفض أية مغامرة غير محسوبة لا تستند إلى الواقع الذي تعيشه المنطقة.

يُستشف من ذلك، يقول المصدر ذاته، أن المغرب يرفض أية مقترحات أو أفكار خارج مبادرة الحكم الذاتي، ويؤكد ما يشاع على أن روس يحاول إقناع الإطراف بحل آخر، كمقترح فيدرالية أو كفدرالية في المنطقة، ما يجعل المملكة تمضي في تطبيق تنمية المنطقة من خلال النموذج التنموي، وتطبيق الجهوية الموسعة، وإدماج المواطنين، وهذا ما يعني انخراطهم في الحل، وتحصين الجبهة الداخلية.

مشاريع تنموية

ومن جانب آخر، قدم الباحث في الشؤون الصحراوية والأستاذ في جامعة ابن زهر بأكادير، خطري الشرقي، قراءته لعدد من المستجدات الأخيرة في تدبير ملف الصحراء، حيث يرى أنه “على المغرب أن يمضي في سياساته وخياراته بغض النظر عن مواقف المشككين في عدالة قضيته، ثم كذلك طريقة إعداد وتقديم النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، حيث تم التركيز على العديد من القطاعات الحيوية، التي لو تم انجازها ستشكل قطيعة مع المرحلة السابقة”.

وأكد خطري، في حديث لهسبريس، أن إنجاز هذه المشاريع سيعجل بالتطور الاقتصادي للمنطقة، من خلال الاستثمار الفلاحي في منطقة “الجريفية” في بوجدور نظرا لما تتوفر عليه من إمكانيات في الفرشة المائية، بالإضافة إلى الداخلة بوجود عدد من الاستثمارات الأجنبية والمغربية، وكذا قطاع الصحة عندما سيتم إنشاء المستشفى الجامعي في العيون، ما سيمكن من سد الخصاص في تدبير هذا القطاع وسيفتح الآفاق أمام التكوين مع تواجد العديد من مراكز التطبيب في الصحراء.

و”بالإضافة إلى هذه الاستثمارات، يأتي أيضا الاستثمار في مجال التعليم العالي، من خلال إنشاء جامعة متعددة التخصصات، من أجل تجاوز عدد من المشاكل المرتبطة بتنقل الطلبة من الأقاليم الجنوبية، بالإضافة إلى الاستثمارات في مجالا الفوسفاط والصيد البحري، والإعلام والاتصال”، يضيف المتحدث ذاته.

وتوقع خطري الشرقي خلال حديثه عن هذه المشاريع، بأنها “لو عرفت طريقها إلى النور فستسهم في إيجاد حلول للمشاكل العالقة المرتبطة بالتنمية الاجتماعية ومحاربة الهشاشة وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية واستفادة المواطنين من الخدمات اللوجستيكية والتعليمية بشكل يدعم خيار الاستقرار والسلام ويتجاوز الثغرات السابقة في التدبير، شريطة تحمل النخب المحلية مسؤولياتها، سواء المنتخبة أو المثقفة أو هيئات المجتمع المدني، في مواكبة هذه التحولات”.

تحولات جديدة

وفي ما يخص رفض المغرب حضور المبعوث الأممي للصحراء، كريستوف روس، شدد الشرقي على أن ذلك مرتبط أساسا بالتحولات الجديدة على مستوى الساحة الإقليمية والدولية، معللا ذلك بتوجيه المغرب لرسالة للمنتظم الدولي مفادها أن أقصى ما يمكن أن يقدمه قد تم تقديمه وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعاكس توجهه العام، في حين إن المبعوث الأممي لا زال، منذ مدة، يحاول إيجاد حل متفق عليه بين كافة الأطراف، خصوصا إذا ما تم التسليم بأن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء تطالب بتقرير المصير عن طريق إجراء استفتاء بإيعاز من الجزائر وبشكل يتعارض مع ما هو مقدم من المغرب”.

واتفق كل من صبري الحو وخطري الشرقي على أن المغرب يحاول أن يعطي انطباعا للمنتظم الدولي يتركز بالأساس على أن السياسات الموجودة حاليا هي أقصى ما يمكن أن يمضى فيه، وبالتالي “فإذا سارت الأمور في غير ذلك، فالمغرب مستعد لكافة الاحتمالات”.

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0


ان جريدة المحور الصحفي تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجريدة وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان جريدة المحور الصحفي الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح الجريدة بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

%d مدونون معجبون بهذه: